
ما وراء الزجاج :في موسكو.. السودان دولة تمنح الفرصة: كيف أعاد البرهان تعريف المصالح
بقلم هجو احمد محمد
قبل القمة الروسية الأفريقية كان الجميع يسأل سؤالاً واحدا هل سيوقع البرهان أخيراً اتفاق القاعدة الروسية في البحر الأحمر ؟
وكالات الأنباء الغربية كتبت العنوان قبل أن تبدأ القمة الثالثة *بوتين يضغط للحصول على قاعدته* مراكز الأبحاث في واشنطن جهزت تقارير عن *الخطر الروسي في البحر الاحمر* حتى في الخرطوم وبورتسودان انقسم الناس فريق يرى القاعدة حماية وفريق يراها صفقة سامة
ولكن البرهان وحده ذهب ليجيب عن سؤال آخر لم يسأله أحد ففي لقاء الكرملين لم يفتح ملف القاعدة المجمد منذ 2020 و لم يطلب منظومة دفاع ولم يعرض صفقة 25 عاماً و300 جندي عرض شيئاً آخر لم يتوقعه الروس أنفسهم منطقة تجارة حرة روسية في البحر الاحمر لتخزين القمح والوقود مرتبطة بشبكة سكك حديديه ومعها عقود تعدين رسمية هنا قلب الطاولة ووجه البوصلة نحو المصالح الاقتصادية
في قاموس الأعمال الروسي هناك مصطلح يسمي (الصفقة السامة) الصفقة التي تكسبك اليوم وتضييق عليك الخناق غدا فقاعدة عسكرية في البحر الأحمر هي صفقة سامة بامتياز كما وصفها السفير الروسي نفسه تمنحك رصيفا وتخسرك البنك الدولي وصندوق النقد وغطاء مجلس الأمن وتضعك تحت عقوبات أمريكية مباشر السودان في حرب وجود لا يحتمل هذا الثمن وروسيا المستنزفة بحرب أوكرانيا لا تملك ترف تمويل قاعدة جديدة.
لذلك اختارت موسكو لهذه القمة شعاراً مختلفاً *روسيا وأفريقيا: اقتصاد أولاً* الاسم الرسمي للقمة هو المنتدى الاقتصادي والإنساني وبوتين في الافتتاح لم يتحدث عن السلاح بل عن الحبوب والأسمدة وأنظمة الدفع بلا دولار. البرهان قرأ الشعار جيداً.
فبينما جاء القادة الآخرون يطلبون قمحاً مجانيا جاء هو يمنح روسيا ما تبحث عنه منذ ثلاث سنوات بلا جدوى وروسيا اليوم قوة عظمى بلا مخزن ( 70%) من نفطها الجديد يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس بعد العقوبات قاعدتها الوحيدة في المياه الدافئة في طرطوس مهددة بعد المتغيرات في سوريا ومضيق هرمز أصبح مسرح مواجهة لقد حاولت موسكو التخزين في اليمن وجيبوتي وبربرة ومصوع وفشلت هي لا تحتاج مكاناً تطلق منه الصواريخ بل مكاناً آمناً تخزن فيه قمحها ونفطها وتبيعه لأفريقيا بعيداً عن العقوبات.
بورتسودان هي الوحيدة التي تملك المفتاح ميناء عميق، وسكة حديد، ومساحة صحراوية شاسعة، وقرار سيادي مستقل ما عرضه البرهان حسب ما سربته صحيفة فيدوموستي لسان الحكومة الروسية هو منطقة حرة تديرها شركات مدنية روسية بورتسودان ستصبح نقطة الوصول الرئيسية لروسيا للمياه الدافئة لكنه لم يقل قاعدة عسكرية بل مركزاً لوجستياً.
وهنا الذكاء القانوني الذي أشاد به المحللون الروس مخزن وقود في منطقة حرة يزود سفينة حربية هو عمل تجاري مخزن قمح يطعم عناصر فيلق أفريقيا هو عمل إنساني. رادار تديره شركة خاصة هو استثمار نفس أهداف القاعدة العسكرية لكن بغلاف مدني لا تستطيع واشنطن معاقبة السودان عليه هذا ما يسميه الروس (*قاعدة بلا قاعدة*)
وهذا ما جعل بوتين يلتقط الرسالة فوراً في لقاء الكرملين الثنائي قال للبرهان بالنص الذي نقلته الوكالات الروسية *السودان شريك مهم بالنسبة لنا نحتفل بسبعين عاماً على العلاقات وتعاوننا ينمو رغم النزاع*.
بوتين لم يقل *حليف عسكري*. قال *شريك مهم* وهذه ترقية كاملة في قاموس الكرملين من خانة فاغنر والتهريب مع ميليشيا إلى خانة الدولة والعقد الرسمي والمصالح الاقتصاديه المشتركة والعرض يحمل جدوى كبيرة لا يمكن رفضها ويرسل رسائل مزدوجة مدروسة الرسالة إلى موسكو تعالوا خذوا 20 طن ذهب سنوياً بعقد دولة وفاتورة رسمية بـ1.2 مليار دولار تدخل بنك السودان بدل تهريب 60 طناً عبر تشاد تخسرون فيه 30% للوسطاء.
الرسالة إلى واشنطن والقاهرة والرياض هذه ليست قاعدة هذه صوامع قمح بمليون طن (30% ) منها احتياطي مجاني للسودان يغطي البلاد شهرين لو توقف الاستيراد وخزانات وقود بـ500 ألف طن تمنع شلل الدولة لو قصفت المصفاة وسكة حديد بورتسودان – عطبرة بتمويل 400 مليون دولار ترفع دخل المزارع (20%) و3000 وظيفة مباشرة ومحطة كهرباء (150) ميغاواط تحل أزمة بورتسودان لا تستطيعون معاقبتنا على قمح ووقود.
البرهان لم يرفض القاعدة الروسية بل أفرغها من سمّها ونزع عنها البزة العسكرية وألبسها بدلة المستثمر الاقتصادي و حوّلها من ملف عالق في أروقة وزارة الدفاع المستنزفة بحرب أوكرانيا إلى ملف حي في صندوق الاستثمار المباشر الروسي الذي يبحث عن مخارج اقتصادية آمنة.
الجميع كان ينتظر أن يسمع دوي المدافع في بورتسودان. فإذا به يسمع أزيز ماكينات الطحين وصفير قطار قمح هذا هو قلب الطاولة الحقيقي أن *تجعل خصمك لا يستطيع معاقبتك، وشريكك لا يستطيع رفضك، وشعبك لا يشعر أنك فرّطت في سيادته*
في موسكو لم يمنح البرهان روسيا قاعدة منحها فرصة للبقاء كقوة اقتصادية في المحيط الهندي ومنح السودان فرصة للبقاء كدولة تملك قرارها وتوظف جغرافيتها بدل أن تدفع ثمنها كل يوم.
30 اكتوبر 2026م



